الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
85
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
فخرج عليّ - عليه السّلام - من عندها واثقا باللَّه وحسن الظَّنّ به . فاستقرض دينارا . فأخذه ليشتري به ما يصلحهم . فعرض له المقداد بن الأسود - رضوان اللَّه عليه - وكان يوما شديد الحرّ وقد لوّحته الشّمس من فوقه وآذته من تحته . فلمّا رآه أمير المؤمنين - عليه السّلام - أنكر شأنه ، فقال له : يا مقداد ما أزعجك السّاعة من رجلك ( 1 ) . فقال : يا أبا الحسن خلّ سبيلي ولا تسألني عمّا ورائي . فقال : يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك . فقال : يا أبا الحسن رغبت إلى اللَّه وإليك أن تخلّ سبيلي ولا تكشفني عن حالتي . فقال : يا أخي لا يسعك أن تكتمني حالك . فقال : يا أبا الحسن أما إذا أبيت ، فو الَّذي أكرم محمّدا بالنّبوّة وأكرمك بالوصيّة ، ما أزعجني من رجلي ( 2 ) إلَّا الجهد ، وقد تركت عيالي جياعا ، فلمّا سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض ، خرجت مهموما راكبا رأسي ، هذه حالتي وقصّتي . قال : فانهملت عينا عليّ بالبكاء حتّى بلَّت دموعه كريمته . فقال : أحلف بالَّذي حلفت به ان ما أزعجني إلَّا الَّذي أزعجك ، وقد اقترضت دينارا فهاكه أؤثرك به على نفسي . فدفع إليه الدّينار ورجع . فدخل المسجد فسلَّم . فردّ رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - السّلام وقال : يا أبا الحسن هل عندك عشاء نتعشّاه ( 3 ) فنقبل ( 4 ) معك ؟ فمكث أمير المؤمنين - عليه السّلام - مطرقا لا يحير جوابا ، حياء من رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - وكان قد عرّفه اللَّه ما كان من أمر الدّينار ، ومن أين وجهه بوحي من اللَّه ، وأمره ( 5 ) أن يتعشّى عند عليّ تلك اللَّيلة ، فلمّا نظر إلى سكوته قال : يا أبا الحسن ما لك لا تقول : لا ، فأنصرف عنك ، أو : نعم ، فامضي معك ؟ فقال : حبّا وكرامة اذهب بنا ، فأخذ رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - بيد أمير المؤمنين وانطلقا حتّى دخلا على فاطمة - صلوات اللَّه عليها وعليهم أجمعين - وهي في محرابها قد قضت صلاتها وخلفها جفنة تفور دخانا ، فلمّا سمعت كلام رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - خرجت من مصلاها وسلَّمت عليه وكانت أعزّ ( 6 ) النّاس عليه ،
--> 1 - كذا في النسخ والمصدر . ولعله « رحلك » . 2 - أيضا يمكن أن يكون « رحلي » . 3 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : تعشيناه . 4 - المصدر : « فيميل » أو « فنميل » . 5 - النسخ : « يأمره » بدل « وأمره » . 6 - أ : آخر .